الجمعية الانسانية لحقوق الانسان
مقـالات في مجال حقوق الانسان
القانون واضح ... قرارات المحكمة الجنائية العراقية العليا غير قابلة للتخفيف أو العفو بمرسوم جمهوري !!

القانون واضح ... قرارات المحكمة الجنائية العراقية العليا غير قابلة للتخفيف أو العفو بمرسوم جمهوري !!

 

رياض جاسم محمد فيلي*

riyadhfaylee@gmail.com

 

      كثر الحديث في هذه الأيام عن قضية تخفيف الأحكام الصادرة بحق المدانين بجرائم الآنفال من الإعدام إلى عقوبة السجن المؤبد أو ما شابه ، وهذه الدعوة بحد ذاتها تفتقر إلى أي سند قانوني أو أساس موضوعي والتي فندها بشدة ورفضها جملةً وتفصيلاً قاضي التمييز في المحكمة الجنائية العراقية العليا والمتحدث بأسمها السيد منير حداد عبر وسائل الإعلام وتصريحاته الصحفية المنشورة في معظم الجرائد العراقية ليضع النقاط على الحروف من وجه نظر قانونية ودستورية بحتة بعيداً عن التأثيرات السياسية والحزبية وبمهنية عالية وشفافية متناهية تعكس تأكيداً جازماً على ترسيخ مبدأ سلطة القانون ولابد أن يسود فوق الجميع كائن من كان في ظل العراق الجديد ووجوب أن تخضع له مؤسسات الدولة الدستورية على الوجه الأكمل ، وبالتالي ما كان يوجه من إنتقادات وإتهامات إلى هذه المحكمة بصدد تشكيلها بموجب القانون رقم (1) لسنة 2003 إستناداً إلى التفويض الصادر بأمر سلطة الإئتلاف المنُحلة رقم (48) لسنة 2003 وحسب قرارات مجلس الأمن الدولي رقم (1483) و (1500) و (1511) لسنة 2003 على التوالي ، فقد تم إلغاء هذا التشريع المذكور من قبل الجمعية الوطنية المنتخبة وحل محله القانون رقم (10) لسنة 2005 ، إضافةً إلى أدراج المحكمة المذكورة ضمن المادة (48) من قانون إدارة الدولة الإنتقالي ، وإذا ما حاول البعض التشكيك بعدم شرعية القانون الإنتقالي .. ولكن لا أحد يستطيع تجاهل إرادة الشعب العراقي الحرة وتغييب أصوات أثني عشر مليون ناخب صَاَدقَ بكلمة { نعم } على الدستور الدائم لعام / 2005 والذي بمقتضاه إكسب المحكمة الجنائية العليا وتشريعها النافذ وأحكامها طابعاً شرعياً ودستورياً أصيلاً لا يمكن التغاضي عنه بأي حال من الأحوال نظراً لتثبيت المادة (134) في الدستور والتي تنص ما يلي : - ( تستمر المحكمة الجنائية العراقية العليا بأعمالها بوصفها هيئة قضائية مستقلة ، بالنظر في جرائم النظام الدكتاتوري البائد ورموزه ، ولمجلس النواب إلغاؤها بقانون ، بعد إكماها أعمالها ) وعليه أصبحت جزءً لا يتجزأ من القانون الأسمى والأعلى والمُلزم في كافة أنحاء العراق بدون إستثناء بموجب المادة (13) من الدستور وهذا ما أكدته المادة (1) من قانون المحكمة إضافةً إلى تمتعها بالإستقلالية التامة عن مجلس القضاء الأعلى ، والتي لا يمكن للسلطة التشريعية حلها إلا بعد إنجازها لمهامها ، كما لا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل في شؤونها بمقتضى المادتين (87) و (88) من الدستور ، ولهذا السبب الموضوعي من غير الوارد مطلقاً تخفيف العقوبات والأحكام والعفو عنها كلياً أو جزئياً ، وإذا تحجج البعض بصلاحية رئيس الجمهورية أو مجلس الرئاسة كمنفذ عبر المادة (73/الفقرة أولاً) من الدستور والتي تضمنت قيام رئيس الجمهورية بإصدار العفو الخاص بتوصيةٍ من رئيس مجلس الوزراء بإستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بإرتكاب الجرائم الدولية والإرهاب والفساد المالي والإداري، فتفسير ذلك واضح وهو العفو عن جرائم خاصة وعلى نطاق محدود جداً ووفقاً لضوابط قانونية دقيقة يحدده نوع وطبيعة وظرف الجرم المرتكب حسب أحكام قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل وغيرهما من التشريعات العقابية وعلى مستوى دعاوى وقضايا الجنايات العامة ، وهذا بالتأكيد لا يمكن مقارنته بجرائم الأبادة الجماعية التي لا تسقط بالتقادم وطبقاً الإتفاقية الدولية الخاصة بها والصادرة في 9/12/1948 والمصادق عليها من قبل الحكومة العراقية في 20/1/1959 ، وبالرجوع إلى المادة (73/الفقرة ثامناً) من صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية هي : - ( المصادقة على أحكام الإعدام التي تصدرها المحاكم المختصة ) فهذا النص جاء كمبدأ دستوري مُطبق في معظم دول العالم ويتمثل في قيام رئيس الدولة بالتوقيع على أحكام الإعدام بمرسوم جمهوري وفقاً الفقرة ( سابعاً ) من نفس المادة دون أن تكون له صلاحية نقضه أو تعطيله أو وقفه ، وبالتالي فحكم إصدار العفو الخاص وتخفيف العقوبات الجزائية تخضع لمحددات مشدّدة أوضحتها الفقرة ( أولاً ) من المادة  المذكورة ، علاوةً على أن الأمر يتطلب رفع توصية من رئيس مجلس الوزراء لكونه يتحمل مع الحكومة أعباء السلطة التنفيذية ومسؤوليتها والمحاسبة عنها أمام مجلس النواب أما منصب رئاسة الجمهورية  فهو للتعبير عن رمز الوحدة الوطنية وسيادة البلاد وإستقلالها وضمان تطبيق الدستور نتيجةً لإقرار النظام البرلماني في العراق الجديد ، وبواقع هذا النظام القائم على أساس  الفصل بين السلطات ، لا يمكن عرقلة تنفيذ قرارات القضاء والتي إكتسبت الدرجة القطعية بعد سير المحاكمة والتحقيق وإجراءات الإستئناف والتمييز والطعن بشكل أصولي وفي ظل توفر الضمانات الأساسية لدفاع عن المتهم ، وإلا يعد ذلك تجاوزاً على حقوق السلطة القضائية المستقلة وتدخلاً سافراً في شؤون العدالة الناجزة والإلتفاف عليهاخلال نصوص دستورية وجدت أصلاً من أجل تحقيق الإنسجام والترابط بين سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وهنا لا بد من الأشارة إلى أن المادة (27/الفقرة ثانياً) من قانون المحكمة التي نصت ما يلي : - ( لا يجوز لأي جهة كنت بما في ذلك رئيس الجمهورية إعفاء أو تخفيف العقوبات الصادرة من هذه المحكمة وتكون واجبة التنفيذ بمرور "30" ثلاثين يوماً من تأريخ إكتساب الحكم أو القرار درجة البتات ) كما أن المادة (15) القانون ذاته قد حددت المسؤولية الجنائية الشخصية ومنعت من شمول المتهمين بجرائم النظام البائد بأي عفو ومهما كانت صفتهم الوظيفية أو الرسمية ، وسواء صدر المرسوم الجمهوري بالمصادقة أو لم يصدر فلا بد من تنفيذ الحكم بعكس المحاكم الأخرى التي ينطبق عليها نصوص المواد من (285 ولغاية 293) المتعلقة بتنفيذ عقوبة الإعدام من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، كما أن المحكمة الجنائية مسؤولة عن إنزال القصاص العادل بشأن جرائم لم يتناولها التشريع الجزائي العراقي سابقاً وعلى مدى تأريخه وهي جرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وإنتهاكات القوانين العراقية ومن هنا جاءت خصوصية هذه المحكمة إذ تتولى محاكمة نظامٍ بائدٍ بإكماله عن فظائع خطيرة وإنتهاكات جسيمة والتي أختص بإرتكابها دون غيره عبر أدواته من أزلامه ومرتزقته المتورطين والملطخة أياديهم بدماء الشعب العراقي ، ونتيجةً لذلك تعد المحكمة هيئة قضائية مستقلة وليست محكمة خاصة أو إستثنائية التي حظر الدستور تشكيلها بموجب المادة (95) ، حيث وفرت العدالة للجلادين وهم لم يمنحوها لضحاياهم وتشهد عليهم محاكمهم الصورية الكارتونية كمحكمة الثورة والهيئة الخاصة وحاكمية المخابرات والجهاز الخاص وأمن الدولة السيئة الصيت والتي زجت بالأف المواطنين الأبرياء دون توجيه تهمة قانونية أو إجراء تحقيق أصولي أو محاكمة عادلة أو حضور محامي ، وهذا من المعلوم أن رئيس النظام البائد قد تم إعدامه دون الحاجة إلى مصادقته بمرسوم جمهوري ، والمفروض أنه قد أحدث سبقاً وعرفاً قانونياً ولم تبدي المحكمة الإتحادية العليا في حينها أي إعتراض بصدد ذلك مع أنها المسؤولة عن الرقابة الدستورية على التشريعات والإجراءات وفق أحكام المواد (92) و (93) و (94) من الدستور وعلى الوجه المبين في أمر تشكيل المحكمة المذكورة رقم (30) لسنة 2005 ونظامها الداخلي رقم (1) لسنة 2005 ، كما أن الجدير بالملاحظة أن قانون المحكمة الجنائية العراقية العراقية قد صدر عن مجلس الرئاسة بالإجماع بمقتضى القرار الجمهوري المرقم (10) والمؤرخ في 9/10/2005 ، ولم يعترض عليه أي عضو في مجلس الرئاسة خلال المدة المقررة دستورياً لنقض التشريعات بما فيهم فخامة رئيس الجمهورية وأحدالسادة نوابه الحاليين وحسب ما هو منشور في جريدة الوقائع العراقية " الرسمية " ذي العدد (4006) والمؤرخ في 18/10/2005 .

     هذا مع العلم أن المحاكمة قد راعت المعايير والأعراف والمبادئ الواردة في في المواثيق والإتفاقيات الدولية وخاصةً ما يتعلق بإقامة العدل وحماية الإشخاص الخاضعين للإحتجاز أو السجن وضمان عدم تعرضهم للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية وهي كما يلي : -         

·       أولاً : - إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، إعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3452 (د-30) المؤرخ في 9 كانون الأول / 1975 .

·       ثانياً : - القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء ، أوصي بإعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنُعقد في جنيف عام 1955 وأقرها المجلس الإقتصادي والإجتماعي بقراريه 663 جيم (د-24) المؤرخ في 31 تموز / 1957 و 2076 (د-62) المؤرخ في 13 أيار / 1977.

·       ثالثاً : - مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ، إعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/169 المؤرخ في 17 كانون الأول / 1979 .

·       رابعاً : - مبادئ آداب مهنة الطب المتصلة بدور الموظفين الصحيين ، ولا سيما الأطباء ، في حماية المسجونين والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية ، إعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 37/194 المؤرخ في 18 كانون الأول /   1982.

·       خامساً : - ضمانات تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام ، إعتمدها المجلس الإقتصادي والإجتماعي بقراره 1984/50 المؤرخ في 25 أيار / 1984 .

·       سادساً : - إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة ، إعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/34 المؤرخ في 29 تشرين الثاني / 1985.

·       سابعاً : - مبادئ أساسية بشأن إستقلال السلطة القضائية ، إعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنُعقد في ميلانو من 26 آب إلى 6 أيلول / 1985 ، كما إعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/32 المؤرخ في 29 تشرين الثاني / 1985 و 40/146 المؤرخ في 13 كانون الأول / 1985 .

·       ثامناً : - إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، إعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والإنضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول / 1984 ، تاريخ بدء النفاذ : 26 حزيران / 1987 ، وفقا لأحكام المادة 27 (1) .

·       تاسعاً : - مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ، إعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 43/173 المؤرخ في 9 كانون الأول / 1988 .

·       عاشراً : - مبادئ أساسية بشأن دور المحامين ، إعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنُعقد في هافانا من 27 آب إلى 7 أيلول / 1990 .

·       حادي عشر : - مبادئ توجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة ، إعتمدها مؤتمر الأمم لمتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنُعقد في هافانا من 27 آب إلى 7 أيلول / 1990.

·       ثاني عشر : - المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء ، إعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 45/111 المؤرخ في 14 كانون الأول / 1990 .

·       ثالث عشر : - معاهدة نموذجية بشأن نقل الإجراءات في المسائل الجنائية ، إعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 45/118 المؤرخ في 14 كانون الأول / 1990 .

·       رابع عشر : - إعلان فيينا بشأن الجريمة والعدالة مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ، صدر عن مؤتمر الأم المتحدة العاشر لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنُعقد في فينا من 10 إلى 17 نيسان / 2000 .

 

* باحث قانوني متخصص     

 

بيان - حول الحجاب

بيان - حول الحجاب
____________________________________


 

تلقت الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية، نماذج لمنشورات وزعت مؤخرا في عدد من مناطق العراق، خاصة تلك التي يقطنها المسيحيون مثل العاصمة بغداد مناطق ( الدورة - البتاويين - العلوية - الكرادة - بغداد الجديدة - حي الامين - الغدير - البلديات - كمب سارة - المشتل - شارع فلسطين ) ومحافظة كركوك مناطق ( عرفه – الماس ) ومحافظة البصرة مناطق  ( العشار – جنينه - بريهه - الجزائر )  ومحافظة الموصل مناطق ( الساعة - حي الزهور - المجموعة - حي النور - الفيصلية ) تحذر وتهدد وتتوعد النساء غير المحجبات بالقصاص والانتقام، وذلك باسم الدين.
   
ان الجمعية اذ تدين وتشجب مثل هذه المنشورات التي تقف وراءها جهات متطرفة، تعتبر ان ذلك بمثابة الاعتداء السافر على الحرية الشخصية للمواطن العراقي.
   
كما ان الجمعية تطالب الحكومة العراقية بالعمل على حماية الحريات الشخصية للمواطنين، والتي كفلها الدستور العراقي الجديد.
   
وندعو المراجع الدينية وفقهاء الإسلام إلى الإعلان عن الموقف الديني الصحيح من الحريات الشخصية، فالدين، كما هو معروف، متسامح ولا يدعو الى العنف، بل يأمر بالدعوة الى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كما نص على ذلك القرآن الكريم، وكل الكتب السماوية الأخرى.
   
ان من اللازم بمكان ان يظهر الفقهاء علومهم عندما تظهر مثل هذه البدع التي تتحدث باسم الدين والدين منها براء، من اجل ردع مثل هذه التيارات المتطرفة والتي تدعو الى العنف، فيما يدعو الدين الى السلام والمحبة والتسامح واحترام خصوصيات الإنسان، بغض النظر عن دينه او أثنيته او اتجاهه الفكريد.
الجمعية العراقية لحقوق الانسان
في الولايات المتحدة الامريكية
 
القصف الإيراني الأخير لكردستان العراق

أحمدي نژاد يحلم بأن يملأ الفراغ الأمني في العراق؟

 

عادل حبه

 

       قبل أيام ، أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نژاد صراحة عن نيّته، وهي في الحقيقة نيّة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في ملأ الفراغ الأمني في العراق في حالة إنسحاب القوات الدولية من بلادنا. هذه النيّة  والقرار الخطير لم يستند الى موافقة من مجلس الشورى الإيراني، رغم دوره الشكلي في الحياة السياسية الإيرانية. وبالطبع لا تستند هذه النية أيضاً إلى إرادة العراقيين، ولم يؤخذ برأيهم ولا برأي المؤسسات المنتخبة العراقية من مجلس النواب إلى الرئاسة ومجلس الوزراء بها، ناهيك عن رأي المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية والدولية والأمم المتحدة في هذه النية المريبة. وفي هذه النية المريبة، تجاهلت القيادة الإيرانية ما يطمح إليه الشعب العراقي صاحب المصلحة الأولى والأخيرة في ذلك. في الحقيقة إن هذا الإعلان هو أصدق تعبير عن الوقاحة والتدخل الفظ في شؤون بلد آخر، وتعبير واضح عن نوايا وجوهر سياسة الحكام المتطرفين الدينيين في إيران  والقائمة على التوسع الإقليمي وخلق بؤر لها هنا وهناك على أساس مذهبي لترحيل تناقضاتها الى المحيط الإقليمي، معتقدة بأنها سوف تمتص النقمة الداخلية لدى الشعب الإيراني ضد مجمل سياسة هذه الفئة الرجعية التي جلبت الدمار لإيران وشعبها، وتسلقت بغفلة على سدة الحكم بعد الثورة الشعبية الإيرانية، وبعد أن أزاحت وبنمط تآمري فريد كل الحركات السياسية والفئات الإجتماعية التي شاركت في الثورة.

لا بد من التأكيد على أن جميع الأنظمة الإستبدادية بكل ألوانها، قومية متطرفة كانت أم علمانية إستبدادية أم دينية متطرفة، تسعى على الدوام الى ترحيل تناقضاتها وشل المعارضة الداخلية عن طريق نقل معركتها الى خارج الحدود. ولا يشذ النظام الديني المتطرف في إيران عن هذه المعادلة. إن حال الإيرانيين الآن في تراجع إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً. فعلى الرغم من العائدات الكبيرة لإيران جراء إرتفاع أسعار النفط في السوق العالمية والتي بلغت حوالي 600 مليار دولار خلال سنوات حكم الفئة الدينية المتشددة(1979-2007)، إلا أن حصيلة ذلك كان إرتفاع عدد الفقراء الى مقدار 12-15 مليون فقير، علماً إن عدد الإيرانيين الذين يعيشون دون خط الفقر قد بلغ 2،9 مليون نسمة بموجب الأرقام الرسمية التي نشرت أخيراً. وفي الوقت الذي تزداد فيه تكاليف المعيشة بمقدار 200%، إلا أن معدل الزيادة في مدخول الفرد الإيراني لم تزد على 30%. ويتقلص إنتاج النفط سنوياً في إيران بمقدار 4% لأسباب تتعلق بحجم التوظيفات القليلة في هذا القطاع الهام من القطاعات الإقتصادية، وكذلك بسبب السياسة الخارجية الإيرانية التي تدفع غالبية الدول الى قطع علاقاتها أو تحديدها معها، وما ينتج عن ذلك من وقف نقل التكنولوجيا المتقدمة الى القطاع النفطي وندرة التوظيفات فيه وفي بقية القطاعات الإقتصادية. وقد أدى التخلف التقني في الصناعة النفطية مثلاً الى أن تحتل إيران المرتبة الثالثة في هدر الغاز في العالم وبمقدار 4،11 مليار متر مكعب من الغاز حسب تقديرات البنك الدولي.

ومن جهة أخرى وفي ظل هذا الوضع الإقتصادي الصعب، تنهمك الحكومة الإيرانية في هدر الأموال على التسليح النووي والمشاريع النووية العبثية وغير المجدية والتي لا يحتاجها المواطن الإيراني ولا الأمن الوطني الإيراني. كما تبذر أموال الإيرانيين على دعم منظمات مسلحة وأحزاب خارج البلاد لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمصلحة الإيرانيين ولا بمصلحة الشعوب المعنية، ولنا في مثال لبنان والعراق وفلسطين أمثلة صارخة على ذلك. وتقوم الحكومة بهدر الدخل القومي لصالح مرافق غير إنتاجية وليس لها علاقة بالتخفيف عن معاناة المواطن في بلادها. فالميزانية الأخير لأحمدي نژاد تشير على سبيل المثال الى أنه قد زاد التخصيصات المالية للدعاية والإعلام للنظام في السنة المالية الحالية بمقدار 45،6%، و95،4% لمؤسسة الدعاية الإسلامية و147،1% لمركز خدمات الحوزة العلمية في قم و 140،8% للممثلية العامة لمرشد الثورة في الجامعات و 110،7% لمكتب الدعاية للحوزة العلمية في قم و 95،5% للمجلس التنسيقي للدعاية الإسلامية و 142،2% لمجلس الرقابة على الدستور و 100% للحوزة العلمية للأخوات و 40% للحوزة العلمية للأخوان و 78% للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب و 55% لمنظمة الثقافة والروابط الإسلامية ..الخ.

إن مجمل سياسة النظام لابد أن تصطدم بالمصالح الحيوية للمواطنين وبإرادة الإيرانيين في إرساء مستقبل سياسي و إجتماعي وإقتصادي مزدهر للبلاد. ففي الفترة الأخيرة لوحظ إزدياد عدد الأضرابات العمالية الكبيرة وإضرابات المستخدمين بشكل ملحوض، وخاصة من قبل الطبقة العاملة التي كان لها الموقع الحاسم في قصم ظهر النظام الشاهنشاهي في عام 1979. وشهد المواطن الإيراني الإضراب الكبير لعمال شركة واحد للنقل وإضراب المعلمين في الأشهر الماضية كنموذجين من حركات إحتجاجات أوسع والتي تقوم بها الفئات الحديثة في المجتمع. وينشط قطاع النساء والشباب بإصرار في مواجهة السياسة الرجعية للنظام. ولم يقدم النظام أية حلول سوى اللجوء الى حملات القمع الشرسة والأحكام الثقيلة والإعدام لمعارضيه، وغلق الصحف وتقديم محرريها الى القضاء، وهو حل ثبت فشله في ظل الحكومة الشاهنشاهية المنهارة. إن القمع أدخل النظام في مأزق آخر يتمثل في تعمق رفض المواطن الإيراني لهذا النظام وسلب أي دعم له.

ومن هنا يمكن فهم هذا الإندفاع المحموم لدى الحكم الديني المتطرف لنقل تناقضاته الى خارج حدوده. وهو أيضاً تكرار فاشل لما فعله الشاه في السابق. لقد إعتمد الشاه على التطرف القومي الإيراني من أجل الإمتداد إقليمياً. ولعب الشاه بالورقة القومية الكردية في العراق منذ ثورة تموز، ولكن هذه الورقة فشلت وبقي النظام في عزلة إقليمية تقريباً، وراح طرفي الموقعين على إتفاقية الجزائر الى خانة منبوذي التاريخ، وتبددت آمال القيادة القومية الكردية في التعويل على العامل الإيراني، هذه الآمال التي لم تجلب سوى الكوارث للقضية الكوردية العادلة والنكبات للشعب العراقي. أما الحكم الديني المتطرف الحالي فقد تقدم الى الساحة الإقليمية بواجهة دينية ومذهبية، ولعب بالورقة الفلسطينية. ولكن ظلت هذه الورقة محدودة التأثير إقليمياً، بل وهناك مواجهة لها من الدول الإقليمية. لقد إستطاعت إيران أن تلقى حليفاً لها في سوريا بعد العدوان الصدامي عليها في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. كما إستطاعت أن تجد موقع قدم في لبنان بعد أن إنهارت الدولة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية، وبإسم المقاومة للإحتلال، وبعد أن أغدقت القيادة الإيرانية بكرم حاتمي على حزب الله الذي صفى الجنوب من منافسيه وفتح الطريق للحرس الإيراني للتجول بحرية هناك. ولكن هذه الورقة تتصدع بعد أن فقدت هذه المقاومة دورها في مواجهة إسرائيل وتحولت الآن الى ورقة في الصراع السياسي الداخلي اللبناني وخاصة بعد إغتيال الحريري، وأيضاً في السنة الأخيرة ومنذ العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. صحيح أن القيادة الإيرانية تبدو وكأنها قد أزاحت سوريا من المواجهة الإقليمية وقلصت دورها، وأضحت هي الطرف في المشاورات الإقليمية والدولية في التسوية اللبنانية. وصحيح أنها هي التي تثير المشاكل على الساحة العراقية وإستئجار أطراف عراقية من الفئات الهامشية البائسة لتقوية موقعها، إلا أن القيام بهذا الدور يحتاج الى قدر من الدعم الإقليمي والدولي وهو غير متوفر بالنسبة لها. كما يحتاج ذلك الى قدر من القدرة الإقتصادية والدعم الداخلي من الشعب الإيراني، ودونها لا يمكن إلا أن تقع هذه القيادة في مستنقع لا تخرج منه الا بفقدانها لزمام الأمور في بلدها وسقوطها وخروجها من الميدان. إن القيادة الإيرانية المتطرفة تكرر نفس خطوات صدام حسين، حيث تنتابها النشوة من جلوسها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة لمناقشة مشاكل الأمن في العراق، كما ينتابها الغرور من بعض ما تثيره من أذى للعراقيين وللقوات الدولية العاملة في العراق عبر تجنيدها لبعض الفئات العراقية وبمسميات دينية، إلا أنها لا تدرك حقيقة أن هذه الفئات العراقية الهامشية طارئة ومتحركة وتبحث عن الزبائن ومستعدة لبيع ولاءاتها وتبديل موقعها في أي وقت وعرض مناسب. كما على القيادة الإيرانية تفشل في رهانها على من كان على صلة تاريخية معها في أثناء صراعها مع النظام الديكتاتوري المنهار. فهذه الأحزاب والمنظمات وفي ظل التغيرات الهائلة التي طرأت على الساحة العراقية، لا بد وأن تبحث عن مواقع في المجتمع العراقي، ولابد أن تتعامل مع الشأن العراقي بشكل يرضي العراقيين قبل

كل شي وليس الطرف الإيراني. كما يجب أن تدرك القيادة الإيرانية أن العراقيين عموماً لا يحسنون الظن بنواياها، ولا يريدون تكرار تجربتها المتخلفة في العراق.  أن خير تأكيد على ذلك هو تعامل الحكم في إيران مع حكومة المالكي وإصرارها على إضعافها وإرسال الأسلحة والتخريب وقصف المدن الشمالية بسبب عدم رضوخ الحكم العراقي الى إبتزازاتها، وكل هذه الأفعال تصب في خانة العداء لقوى كانت في يوم من الأيام على علاقة حسنة مع هذه القيادة. إن القيادة الإيرانية في مأزقها الداخلي تحتاج الى أتباع لها وليس أصدقاء على النطاق الإقليمي. ومن هنا يأتي هذا العداء المبطن والسافر للتجربة العراقية الجديدة وبرموزها. وعسى أن يدرك العراقيون ويتوقفون بجد أمام اللعبة الإيرانية العبثية في العراق ويفضحونها على النطاقين الرسمي والشعبي، وأن لا يلتزموا الصمت أزائها، هذه اللعبة التي ستؤذي العراقيين بالتأكيد، ولكن سوف لا يكتب لها النجاح بالتأكيد لأنها ستصطدم بالوعي المتنامي للعراقيين أزاء مستقبل وطنهم والردود الدولية والإقليمية ضد عبث الحكم الديني المتطرف في إيران.

3/9/2007  

 



<<الصفحة الرئيسية