الجمعية الانسانية لحقوق الانسان
مقـالات في مجال حقوق الانسان
سراب الإدعاء بالنصر / مقابلة مع بريجنسكي / الجزء الثاني

لماذا لا يدرك الأمريكي أن ثمن الريادة والقيادة يمكن أن يُسدّد بالدماء، ما دامت ريادة أمريكا وقيادتها تنهض في قسط كبير منها على سفك الدماء... دماء الآخرين؟

 

سراب الإدعاء بالنصر

مقابلة مع بريجنسكي

 

الجزء الثاني

س: أعلنت إدارة البيت الأبيض أن العراق صار الجبهة المركزية للحرب على الإرهاب. وهكذا بدلاً من نثر بذور الديمقراطية يصبح العراق قوة جذب للإرهابيين الجدد. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتخلص من الشرك الذي خلقته بنفسها؟

ج: علينا أن لا نهرب أولا أن نحاول إعلان النصر الذي يعني جوهرياً السراب. علينا أن نناقش الأمور بجدية مع العراقيين بشأن الاتفاق على ترتيب مشترك لانسحاب القوات المحتلة وتحديد الوقت بصورة مشتركة. ذلك أن وجود هذه القوات تزيد من حركة المتمردين (المقاومة). وعندئذ سنجد أن القادة العراقيون الذين يوافقون على الانسحاب خلال سنة أو نحوها يتصرفون باعتبارهم سياسيين ينوون البقاء هناك.أما هؤلاء ممن يستجدوننا عدم الانسحاب فمن المحتمل أن يتركوا البلد ويعودوا معنا عندما نغادر العراق. وهذا أيضاً يوفر لنا مؤشراً لمعرفة حقيقة التأييد الذي يحظى به السياسيون العراقيون.

س: ألا يترك مثل هذا الانسحاب السريع الفوضى وراءه؟

ج: على الحكومة العراقية عندئذ دعوة كافة دول الجوار الإسلامية بما فيها باكستان والمغرب لعقد مؤتمر بكيفية تحقيق الاستقرار للبلد. وهنا ستقدم الأغلبية المساعدة الممكنة. وعندما تترك الولايات المتحدة البلاد يجب الدعوة لعقد مؤتمر للدول المانحة التي لها مصلحة من إصلاح الاقتصاد العراقي، بخاصة إنتاج النفط. وهذا محل اهتمام شديد لكل من أوربا والشرق الأقصى.

س: لكن مؤتمر المانحين سينعقد في الخريف على أي حال؟

ج: نعم، ولكن أشك أن هذا المؤتمر سيخلق الكثير من الحوافز طالما أن جنود الولايات المتحدة متواجدون على أرض العراق لمدة غير معلومة. بالمناسبة هذا ليس كلامي فقط، يل يتطابق حرفياً، في الغالب، مع مقترحات مستشار الأمن العراقي الجديد.

س: المعارضون للانسحاب الأمريكي السريع سيحتجون بأن الصراع الطائفي بين المذهبين (الإسلاميين) سيتصاعد ويزداد العنف أكثر مما هو حاصل حالياً.

ج: أن أي شخص يمتلك قدرا من المعلومات التاريخية بشأن جيوش الاحتلال يعرف أن هذه القوات المحتلة ليست فعالة جداً في كبح ردود الفعل المضادة تجاهها: المقاومة، التمرد، حركات التحرير الوطنية، أو أي تسمية أخرى.. كما أنهم أجانب لا يفهمون البلد. هذا هو الوضع الذي نحن في داخله. الأكثر من ذلك هناك الحلقة المفرغة التي تسقط فيها جيوش الاحتلال. فمهما التزمت هذه الجيوش بالمهنية العسكرية يمكن أن تقع في فخ الإرباك والممارسات العنيفة ضد السكان المدنيين مما يزيد بدوره قوة المقاومة. أن العراقيين يمكنهم التعامل مع العنف المذهبي في بلدهم على نحو أفضل بكثير من الأمريكيين الذين جاءوا من بعد آلاف الكيلومترات.

س: إذن لا بد من انسحاب هذه القوات حتى ولو في ظل احتمال تصاعد العنف؟

ج: العراقيون ليسوا بدائيين ولا يحتاجون إلى وصاية من الاستعمار الأمريكي لحل مشاكلهم.

س: من الناحية الواقعية، ألا يقلق الرئيس من احتمال فشل العراق ليصبح بلداً ديمقراطياً كما هو يتخيل فيا لو تركت الولايات المتحدة العراق؟

ج: هذا مؤكد جداً. لذلك ففي كل محاولاته يدعي النصر وفق مفهومه الذي هو محض سراب.

س: هل أنت متأكد من إمكانية منع حصول حرب أهلية دينية (مذهبية)؟

ج: بالطبع لا أستطيع أن أكون متأكداً. ولكن هل كان ديغول متأكداً عندما قرر أنه أكثر منفعة لفرنسا إنهاء الحرب في الجزائر؟ في حين كان كل شخص حوله يحذّره من العواقب الوخيمة لقراره.

س: ألا ترى أن هذا الصراع الديني (المذهبي) سوف يُشعل المنطقة كلها؟

ج: العكس تماماً. كلما أطلنا بقاؤنا زاد احتمال إشعال المنطقة. الحقيقة هي أننا بقينا هنا ثلاث سنوات والحالة هي اليوم أسوأ مما كانت في ذلك الوقت. منطقياً، على الأقل، هناك بعض الأدلّة التي تُدعم فرضيتي.

س: قدّم بوش للعالم "محور الشر". أليس هذا طريقة سهلة جداً لقيامه بالهجوم على الجزء الأقل خطورة من هذا المحور؟

ج: نعم، العراق لم يكن خطراً. يظهر أن كوريا الشمالية وإيران يتخذان موقفاً حذراً جداً في حساباتهما.على أي حال، لإيران تاريخ طويل وله حق أن يلعب دوراً في المنطقة. تخميني هو أن إيران ستجد نوعاً من التكييف مع بقية العالم، على الأقل، أسهل للتحقيق من كوريا الشمالية.

س: إذا فشلت المفاوضات مع إيران، هل ستتدخل الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً؟

ج: هناك بعض الأعضاء من الإدارة (إدارة بوش) يُحبذون ذلك. على أي حال، وحسب التجربة العراقية، أرى أن الاحتمال الأكبر أن تُبادر الحكومة الأمريكية، بالتعاون مع الحلفاء، فرض مقاطعة فعالة على إيران. وهذه تتطلب عندئذ بضع سنوات قبل المبادرة بمخاطرة الحرب.س: ماذا ستكون عاقبة هذا الهجوم؟

ج: في هذه الحالة، تتوفر للإيرانيين عدداً من الخيارات المفتوحة: تصعيد عدم الاستقرار في العراق والجزء الغربي من أفغانستان، تفعيل حزب الله في لبنان، قطع إمدادات النفط، إلحاق أضرار بإنتاج النفط السعودي وتهديد مرور ناقلات النفط في مضيق هرمز، مع ما يترتب على ذلك من عواقب مدمّرة على الاقتصاد العالمي. أنهم يستطيعون أيضاً التعجيل بإنتاج أسلحة الدمار الشامل. وعند ذاك من المحتمل جداً أن يقود هذا إلى تجديد وتكثيف متصاعد وشامل للهجمات العسكرية- حلقة مفرغة.

س: قلت أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تعميق التشاور وتبادل الآراء والنصائح مع الغرب لتجنب المنظور غير الواقعي تجاه العالم. وحتى أوربا، هل هي في موقف مناسب للمشاركة وتقديم النصائح؟

ج: في " الشرق الأوسط" تغوص الولايات المتحدة (بشكل غير واع/ مقصود) نحو ممارسة دور القوة الكولونيالية.. تكرار التجربة الأوربية القاسية. أن الترابط بين المصالح الذاتية والشعور الإيماني بأداء رسالة تبشيرية والتجاهل المتعجرف.. كلها قادت إلى ما تفعله أمريكا لغاية الوقت الحاضر. ولأن بريطانيا وفرنسا لهما نفس التجربة في الماضي، من هنا تشعران على نحو أفضل من أن مسيرة أمريكا في "الشرق الأوسط" تشكل خطئاً سياسياً. وفي الأمد الطويل، تقود هذه المسيرة إلى مخاطر لأمريكا نفسها. أما في الأجل القصير فإنها توقع أضراراً بالمبادئ الأمريكية وأيضاً شرعية ممارساتها ومصداقيتها.

س: هل تعتقد أن هذا النوع من النصيحة يقوم رئيس وزراء بريطانيا بإرسالها إلى بوش؟

ج: هذا ما هو مطلوب أن يفعله. لكن أرى أن البريطانيين اتخذوا قرارهم بعد أزمة السويس عام 1956 أن لا يصطدموا أبداً مع سياسة الولايات المتحدة..

س: هناك خوف في أوربا أن بوش قد يعود إلى ممارساته الفردية للعمل بحرية في مجال السياسة الخارجية؟

ج: عند ذاك يحتاج إلى معجزة لتحقيق سراب النصر. وهذا سيتراجع على نحو أبعد. أنه بالضبط كالحالة التي حصلت للسوفيت الذين اعتادوا على الإصرار بأن انتصار الاشتراكية يلوح في الأفق، دون الانتباه إلى حقيقة أن هذا الأفق هو خط خيالي يبتعد أكثر كلما اقتربت منه. الأكثر من ذلك أنه خلال سنتين ونصف السنة يخرج من الرئاسة. وليس هناك من يريد بعده احتضان صرخات الحرب وممارسة الديموغائية التي حصلت على مدى السنوات الثلاث الماضية.

س: هل هناك أي ظرف يمكن من خلاله أن تخسر الولايات المتحدة تفوقها السياسي الحالي؟

ج: يحتاج المرء فقط الاستمرار في السياسات الحالية، وأيضا أن لا يستجيب في المستقبل استجابة قوية للمشكلات المتزايدة لعدم المساواة في العالم. نحن الآن نتعامل مع الجنس البشري وهم يمارسون السياسة على نحو أكثر فعالية مقارنة بالماضي. وهذا يدعو إلى استجابة جماعية من الغرب للمظالم التي يعانون منها.

س: هل أن طلبك القضاء على عدم المساواة في العالم يختلف عن الطلب المخادع لـ بوش: تحرير العالم من الشر؟

ج: الوصول إلى المساواة سيكون في الواقع هدفاً خادعاً. الحد من عدم المساواة في عصر التلفزيون والانترنت سيكون سياسة ضرورية. نحن ندخل مرحل تاريخية، حيث أن الناس في الصين والهند، بل أيضاً في النيبال، في بوليفيا أو فنزويلا أصبحوا لا يتحملون التفاوت في الظروف الحياتية الإنسانية. وهذه يمكن أن تشكل خطراً جماعياً. علينا أن نواجهه في العقود القادمة.

س: أنت تُسميها "اليقظة السياسية العالمية."؟

ج: نعم، وهي من الناحية الجوهرية مشكلة مستمرة، لكنها حالياً على مستوى العالم، بعد أن تفجرت في أعقاب الثورة الفرنسية. ففي خلال القرن التاسع عشر انتشرت في أنحاء أوربا وجزءاً من غرب أمريكا. وصلتْ إلى اليابان في القرن العشرين، وأخيراً في الصين. الآن تنتشر في بقية العالم.

س: العالم الإسلامي أيضاً؟

ج: في الواقع، ليس بنفس الطريقة. أنها مضطربة- عملية ذات اتجاهات متعددة، وهي على أي حال، تشكل تحدياً لاستقرار العالم. إذا لم تستطع الولايات المتحدة، أوربا واليابان، وحتى أيضاً الصين، روسيا والهند إيجاد آلية لتعاون مدروس وفعال في هذا المجال، عندئذ سنواجه نمواً متصاعدا للفوضى ذات خطورة قاتلة لقيادة أمريكا. من هنا اعتبر أن دور القيادة الأمريكية يبقى رخواً في هذه الحالة، ولكن غير قابل للتبديل في المستقبل المنظور.   

 

ترجمة د.عبد الوهاب حميد رشيد

* Victory Would be a Fata Morgana, Spiegel Interview with Zbigniew Brezinski,

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية