الجمعية الانسانية لحقوق الانسان
مقـالات في مجال حقوق الانسان
سراب الإدعاء بالنصر / مقابلة مع بريجنسكي / الجزء الاول

يلعب الضمير دور المدعي والشاهد والقاضي

 

مقابلة مع زبيغنيو بريجنسكي- مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق خلال ولاية الرئيس جيمي كارتر ( 1976 – 1980) وحاليا عضو مجلس أمناء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن CSIS) وأستاذاً للسياسة الخارجية بجامعة «جونز هوبكنز».، ومعلوم أن بريجنسكي يعتبر في الوسط الأكاديمي الأميركي والعالمي. وفي عواصم القرار الكبرى. أحد أعلى المراجع والخبرات في ميدان العلاقات الدولية. والفكر الاستراتيجية والجيوسياسي.

      وقد أصدر بريجنسكي :( الإخفاق الكبير) و ( لوحة الشطرنج ) وكتابه الاختيار-- الذي ترجم أخيرا الى العربية .

 يطرح بريجنسكي المعضلات التي تواجه الولايات المتحدة وهي تمسك بالعالم، ويحدد مجالاتها وأبعادها: معضلة الأمن العالمي، ومعضلة الأمن القومي، ومعضلات الاضطراب العالمي الجديد، ومعضلات إدارة الأحلاف، ومعضلات العولمة، ومعضلات الديمقراطية المهيمنة.

لماذا لا يدرك الأمريكي أن ثمن الريادة والقيادة يمكن أن يُسدّد بالدماء، ما دامت ريادة أمريكا وقيادتها تنهض في قسط كبير منها على سفك الدماء... دماء الآخرين؟

وراء توريط السوفييت في أفغانستان، ثمّ إطلاق تلك الصناعة الجهادية التي أعطت الطالبان والأفغان العرب وأسامة بن لادن... وتتمة المسمّيات والأسماء التي تقضّ مضجع أمريكا اليوم!

هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد انكشاف مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان.

تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، في يوم عبور السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه: الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الإتحاد السوفييتي حرب فيتنام الخاصة به".

يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية وما أسفر عنه ذلك الدعم من تدريب وتسليح إرهابيي المستقبل؟ بريجنسكي: "ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم، الطالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الهائجين الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة"؟

ولكن ألا يُقال ويُعاد القول إنّ الأصولية الإسلامية تمثّل اليوم خطراً عالمياً؟ يردّ بريجنسكي: "كلام فارغ!"، قبل أن يتابع: "يُقال لنا إنه ينبغي على الغرب اعتماد سياسة متكاملة تجاه النزعة الإسلامية. هذا غباء: لا توجد إسلامية عالمية. فلننظر إلى الإسلام بطريقة عقلانية لا ديماغوجية أو عاطفية. إنه الدين الأوّل في العالم، وثمة 1.5 مليار مؤمن. ولكن ما هو الجامع بين أصوليي المملكة العربية السعودية، والمغرب المعتدل، والباكستان العسكرية، ومصر المؤيدة للغرب أو آسيا الوسطى العلمانية؟ لا شيء أكثر ممّا يوحّد بلدان الديانة المسيحية".

لماذا لا يدرك الأمريكي أن ثمن الريادة والقيادة يمكن أن يُسدّد بالدماء، ما دامت ريادة أمريكا وقيادتها تنهض في قسط كبير منها على سفك الدماء... دماء الآخرين؟

 

سراب الإدعاء بالنصر

     مقابلة مع بريجنسكي

الجزء الأول:

س: يُقارن الرئيس بوش خطورة الإرهاب مع خطورة الحرب الباردة. كرر أيضاً مقولة "الشعب في حالة حرب" وأنه يقبل فقط بـ "النصر النهائي".. هل هو مصيب أم أنه يستخدم لهجة مبالغ فيها؟

ج: أنه أساساً على خطأ، سواء كان يستخدم عن قصد أسلوب الزعيم الدهمائي (المهيج) demagoguery أو ببساطة يُعاني من جهل في التاريخ. كنت على مدى أربعة أعوام مسؤولاً عن تنسيق الاستعداد الأمريكي للرد في حالة هجوم نووي على البلاد. ويمكنني التأكيد أن حرباً نووية شاملة بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد السوفيتي كانت ستؤدي إلى موت 160180 مليون شخص خلال 24 ساعة. عندما يزن شخص ما الحرب بشكل أعمى، خيالي، عندئذ سيتجه عقله نحو تشويه الحقيقة distortion والمبالغة فيها.

     بعد الهجوم الياباني على بيرل هابربر عام 1941 كانت الولايات المتحدة متقدة النشاط والعزم. وخلال أربعين سنة من الحرب الباردة تميزت بالصبر والتروي. لم يحصل في أي من الفترتين أن نشر رئيس أمريكي على الملأ الخوف والرعب كجزء أساس من رسالته للشعب، وعلى نقيض ما هو حاصل الآن. وفي سياق خطاباته الفضفاضة غير المترابطة، يخلق الرئيس حالياً مناخاً من الرعب باتجاه تدمير القيم الأخلاقية وتحريف السياسة الأمريكية.

س: أليس الخوف من وقوع الأسلحة النووية بيد الإرهابيين مسألة طبيعية؟

ج: من المؤكد أن هذا المفهوم لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً. ولكن من جهة أخرى لسنا في مواجهة مع مخزون السلاح النووي السوفيتي. لا أعني التقليل من خطورة فرد أو مجموعة من الإرهابيين، لكن حجم الدمار بين الحالتين لا يمكن أن تكون محل مقارنة.

س: تقود بعض المناقشات في الولايات المتحدة، بل وفي أوربا إلى الانطباع بأن الإسلام المتطرف حلَّ محل الاتحاد السوفيتي وأن قدراً من الحرب الباردة لا زالت مستمرة.

ج: ظهر الإسلام الراديكالي في بعض الدول وليس كلها. وهذه اللفظة تعتبر مبهمة. يجب أن يؤخذ بجدية لكنه لا زال يشكل خطراً إقليمياً يسود في الغالب منطقة "الشرق الأوسط" وفي بعض الحالات شرق المنطقة. وفي كل هذه المناطق لا يشكل أغلبية.

س: أليس تراكم الخوف استجابة صحيحة؟

ج: علينا صياغة سياسة لهذه المنطقة تساعدنا على تعبئة أصدقاءنا. فقط من خلال تعاوننا معهم نستطيع في النهاية تصفية هذه الظاهرة. هناك مسألة متناقضة: خلال الحرب الباردة، توجهت سياستنا نحو توحيد الأصدقاء وتفريق الأعداء. لسوء التقدير أن أساليبنا التكتيكية اليوم- متضمنة لهجة نزاعة لنشر الذعر بشأن الإسلام الإرهابي Islam phobic language- تتجه نحو توحيد أعدائنا وإلى نفور أصدقائنا.

س: إذن فهي لهجة تتسم بالمبالغة تضع بن لادن في موازاة ماو (و) ستالين؟

ج: صحيح. وهذا ما هو حاصل بالضبط: تشويه الحقيقة. أن بن لادن ليس أكثر من قاتل مجرم، وليس من الصواب أن يُرفع قدره دولياً إلى مصافي قائد عظيم في سياق حركة دينية ظاهرية. وكل ذلك لخلق مبررات إحداث التحويل السياسي والتغيير الاجتماعي.

س: هل ترى حصول أي تقدم في الحرب على الإرهاب خلال الخمس سنوات الماضية؟

ج: نعم ولا. أضرب على الخشب (مثال لإبعاد الحسد! وهنا ربما للسخرية من التقدم في الحرب على الإرهاب). لم يتكرر فعل إرهابي في الولايات المتحدة- كما حصل في لندن مؤخراً- وربما يعود ذلك جزئياً إلى الإجراءات المانعة التي اتخذتها الحكومة. هناك كذلك نمو متصاعد في إدراك النخبة المعاصرة في العالم الإسلامي بأن الإرهاب الإسلامي يشكل تهديداً لهم أيضاً- لكن هذه العملية بطيئة. الأكثر من ذلك أن هذه العملية عُوقتْ مع غزونا للعراق، مما صاعد بشدة وسرعة عالية العداء في العالم الإسلامي تجاه الولايات المتحدة. موقفنا غير المبالي والغامض تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو أيضاً سبب هام للعداء ضد الولايات المتحدة. كل هذه العوامل تساعد على الإرهاب.

س: هل النصر الكامل الذي يطلبه الرئيس ممكن فعلاً؟

ج: هذا يعتمد على مفهومك للنصر. إذا تصرفنا بفطنة وذكاء وأنشئنا تحالفات مطلوبة ضرورية، عندئذ ينحدر الإرهاب وتنحصر طاقته لإيجاد متعاطفين ومناصرين ويمكن أن ينتهي إلى التصفية. وهنا من المحتمل أن تبدأ الحركة بالتقلص والنسيان. وعلى أي حال، إذا تتصور نصراً على قياس ما حصل لـ هتلر عندما انتحر في حصنه، فهذا لن يحدث. وهذا هو بالضبط لماذا يقود أسلوب القياس- النظرة الثنائية- في معالجة الأمور الحياتية، ومنها الحرب، إلى التضليل. ليس من المفيد أن نركز في ذهن الرأي العام أننا نتعامل مع مشكلة بعيدة الأمد في إقليم هائج (الشرق الأوسط). الحل المطلوب هو تعبئة القوى المعاصرة وعزل العناصر المتطرفة. (هنا يؤكد المتحدث كغيره كثيرين من كتاب الغرب على الأمور الجانبية دون المساس بجوهر المشكلة: حاجة بناء إمبراطورية الإمبريالية الأمريكية إلى هذه الآليات- المبالغة في نشر الرعب، تضخيم العدو.. لتبرير الحروب- الغزو والاحتلال).

س: ما هي المنافع التي يراها الرئيس بوش من استخدامه لهجة حربية؟

ج: أولاً أن هذه اللهجة ساعدته على إعادة انتخابه- عندما يكون الشعب في حالة حرب لا يتخلى عن القائد الأعلى. ثانياً أنها تزيد قدراته في ممارسة سلطته التنفيذية على نحو لم يفعله أي رئيس قبله. هذا الأسلوب بالطبع ترافقه مخاطره، مثل انتهاك الحقوق المدنية. وتمنحه الانطباع بقدرته على استخدام القوات العسكرية كما يشاء حتى بدون مصادقة الكونغرس على إعلان الحرب.

س: هل هناك مخاطرة متأصلة في الديمقراطية؟

ج: نعم في الأمد الطويل. على أي حال، أن الديمقراطية تأصلت بعمق في وجدان الشعب الأمريكي ونسيجه الاجتماعي، وأن مثل هذا التهديد يمكن أن يتصاعد ويتفاعل فقط إذا كان الرئيس قادراً على الاستمرار في الحكم وتنفيذ سياساته المناهضة للديمقراطية لفترة زمنية طويلة. لكن بوش لا يمكن إعادة انتخابه. من هنا فإن هذه المخاطر سوف تزول بعد السنتين والنصف القادمة.

س: لم يتقبل السياسيون الغربيون أبداً مفهوم الحرب على الإرهاب. الأكثر من ذلك هناك اختلافات شديدة بالعلاقة مع آليات التحقيق المستخدمة أو معسكرات الاعتقال مثل غوانتانامو. كيف يمكن في مثل هذه الحالة للحكومات الأمريكية والأوربية التعاون رغم هذه الاختلافات؟

ج: هذا بالضبط ما يجعل الأمر صعباً في التعامل مع المشكلة على نحو جمعي. على أي حال، من الناحية الموضوعية، على المرء أن يأخذ في اعتباره، وبطريقة هادئة، وجود تعاون مكثف، خاصة بين قوى الشرطة. وهذا التعاون يعكس تحديداً حقيقة أن محاربة الإرهاب هي أخيراً حصيلة التعاون ضد السلوك الإجرامي. رغم أني أشارك الانتقاد الأوربي بشأن إساءة المعاملة في غوانتامو وأبو غريب، بل وحتى تعذيب المعتقلين. على الأوربيين، رغم سخطهم، أن لا يفقدوا مشهد ماضيهم- ليس الألمان فحسب، بل أيضا ًالفرنسيين الذين لهم تجربة واسعة في الحرب الجزائرية

---------------

 

ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد  

       

 

* Victory Would be a Fata Morgana, Spiegel Interview with Zbigniew Brezinski, by Hans Hoyng and George Mascolo,.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية